من خلال موقعه فى المجلس المتخصص بقضايا
الأحوال الشخصية - الزواج والطلاق - عند الأقباط، يمتلك الأنبا بولا أسقف
طنطا، حصيلة ضخمة من القصص السرية فى هذا الملف.
وحتى وقت قريب، كان الجميع يظن أنها تدخل فى إطار سر الاعتراف،
أى إن البوح بها وفضحها غير وارد، لكن نيافته فأجا الجميع بإصداره سلسلة
كتب، تحوى قصصًا من هذا الملف، ووضع على الغلاف صورة البابا تواضروس
للإيحاء بالموافقة الكنسية على هذا النشر.
ويلاحظ لدى قراءة القصص، التى صدرت حتى الآن فى 4 كتب، استخدام لغة لا تعبّر عن الروح الكنسية، بل تقترب من الأعمال التجارية، مثل قصة "ابن أمّه" و"قول طز"، كما أن اللوم فيها يقع غالبًا على الرجل دون المرأة، كما تضمنت مدح الأنبا بولا لذاته، حيث وصف نفسه بـ"رجل الله".
ومن هذه القصص، يقول الأنبا بولا..
المشهد الأول
فى أثناء صعودى على السلم المؤدى إلى مقر المجلس الإكليريكى العام (المختص بقضايا الزواج والطلاق عند الأقباط) وعند بداية صعودى، لاحظت سيدة مسنة تصعد السلم بصعوبة شديدة، فقد كانت امرأة مسنّة، ولديها مشكلة فى العمود الفقرى، حيث الانحناء الشديد لظهرها إلى الأمام، لدرجة اقتراب رأسها من ركبتيها.
ولقد كانت السيدة المسنة تستند بيسارها على عكاز ويمينه على ذراع ابنها، والذى كان طويل القامة، وكان تقريبًا فى أوائل الأربعينيات من العمر، فانتظرت أسفل السلم حتى أكملت صعودها بصعوبة، وصعدت من خلفها واصطحبتها هى وابنها إلى مكتبى، حتى ترتاح قليلًا، وأعطيتهم الأولوية فى عرض أمرهم علىّ.

فأحضرت أوراقى وقلمى، لأسجّل كل ما يقال، واستمر الحديث، من طرف واحد، حيث تولّت الأم سرد تفاصيل مشكلة ابنها مع زوجته، ولم يفتح الزوج فمه بكلمة واحدة .وهنا أدركت طبيعة المشكلة وحجمها وأسبابها الحقيقية، وعندئذ وجّهت كلامى للابن قائلًا "زوجتك تعانى كثيرًا من ارتباطك بوالدتك"، وأخيرًا فتح الابن فمه باندفاع قائلا "هى زوجتى جت لك؟ هى حكت لك المشكلة؟"
فأجبت أنها ليست فى حاجة إلى أن تحضر، فما أراه أمامى لا يحتاج كلاما ولا لتفسير أو توضيح، فالأم المسنة تحضر بنفسها، والأم المعاقة تتخطى كل صعاب السلم بإصرار على الصعود لمقابلتى، والأم هى المتحدث الوحيد عن المشكلة.
ونصحت الابن قائلا: "لا بدّ من تقنين علاقتك بوالدتك، ولا بدّ ألا تؤثر علاقتك اللصيقة بوالدتك على علاقتك بزوجتك، فاهتمامك بوالدتك أمر واجب وحتمى حسب الوصية الإلهية "أكرم أباك وأمك"، لكن ينبغى أن تكون الأولوية فى كل شىء لزوجتك الواحدة معك من خلال العمل الإلهى فى سر الزواج.
وفى النهاية نصحته بالسعى لإصلاح علاقة زوجته ووالدته حتى يعيش فى سلام. وأكّدت له أن الكنيسة لن تمنحه بأى حال تصريح زواج من أخرى، لعدم وجود مبرر كنسى لذلك، وأنه ليس أمامه إلا الصلح مع زوجته.

المشهد الثانى
بعد عدة سنوات، حضر إلىّ رجل فى منتصف الأربعينيات، تظهر عليه ملامح المعاناة، مع غزو الشعر الأبيض لرأسه، وكثرة التجاعيد، التى ظهرت على وجهه وكأنك ترى تضاريس جبلية صلبة، تظهر فى وادٍ منبسط، صنعتها معاناة يؤكدها سواد يحيط بعينى هذا الشاب!
قدّم لى نفسه، فإذا هو نفس الشاب الذى سبق وحضر إلىّ منذ بضع سنوات مع والدته المسنة، لكنه أتى وحده هذه المرة، وتحدّث بنفسه عن مشكلته قائلا: "أنت رجل الله.. كان لا بدّ أن أسمع كلامك"، ثم حكى لى أنه لم يسمع كلامى فى الماضى، واختار أمه على حساب زوجته، التى طلّقها وذهب بعيدا إلى بلاد الشام، ليتزوج امرأة طيبة، تقبل الحياة مع أمه، لكن المشكلة تكررت، وجدت الفتاة نفسها قد تزوجت زوجا وأمه، فهو (ابن أمه)، وارتباطه بأمه يأتى فى المرتبة الأولى، ولا يفعل شيئا، حتى فى أدق تفاصيل حياته الخاصة، إلا بموافقة أمّه، ووفقا لرؤيتها!
وفى النهاية، تم طلاقه من الثانية بسبب أمه أيضا، وأتى إلى ليطلب تصريحا بزواج ثالث!
وقال فى حكاية أخرى..
اصطاد سمكة وقول طز
فى بداية خدمتى بالمجلس الإكليريكى عام 1989 ، وفى مقابلة مع البابا شنودة الثالث، طالبنى بالاهتمام بملف إحدى بناتنا فى ملبورن بأستراليا، تعانى مشكلة زوجية، حيث تمثل حياتها مع زوجها تمثل خطورة على حياتها، وهى في أستراليا وحيدة، ليس لها أقارب، حيث إنها يتيمة الأب والأم، وأضاف قداسته: عمّها هنا فى القاهرة يحضر إلىّ كل أسبوع منفعلًا، طلبًا للمعونة، ورفع الظلم عن ابنة أخيه.

بمجرد الانتهاء من أخذ بركة اللقاء مع قداسة البابا، ذهبت مسرعا إلى مقر المجلس الإكليريكى، باحثًا عن ملف هذه الحالة، وبالفعل وجدته، وعكفت على دراسته كلمة كلمة، ووجدت أن أبى نيافة الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى، الذى كان مسئولًا عن المجلس الإكليريكى قبلًا، قد بذل جهدًا خارقًا فى هذا الملف، ووصل إلى قناعة بأن زوج السيدة مجنون.
فقد قدم نيافته تحليلًا مستندًا للعديد من الأدلة التى تؤكد جنون الزوج، ولكن نيافته برغم ذلك، لم يتمكن من التصريح للزوجة بالزواج فى الكنيسة، لأنه كان لابد من إثبات الجنون السابق للزواج حتى يمكن الأخذ ببطلان الزواج، وعدم وصول نيافته لحقيقة مرض الزوج السابق للارتباط، جاء بسبب طول مدة الزواج، بالإضافة لعدم وجود أى أدلة تثبت ذلك، ومن هنا كانت رحلتى مع هذا الملف.

كانت رحلة نيافة الأنبا بيشوى مع الملف تزيد على السنة، أما رحلتى معه فلم تستغرق أكثر من أسبوعين، وإليك التفاصيل..
بدأت بالاتصال بكنيستنا فى ملبورن بأستراليا، التابعة لها هذه الأسرة، للسؤال عن الزوج، وإمكانية التواصل معه تليفونيًا لتأجيل اللقاء حتى سفرى لأستراليا فى أول مرة أزورها، وكانت المفاجأة السارة أن الزوج موجود فى مصر بالإسكندرية، ويوجد رقم تليفون يمكننا من الاتصال به، وبعد الاتصال بالزوج عن طريق سكرتارية المجلس الإكليريكى، أخذنا وعدًا منه بالحضور الأربعاء التالى.
وهنا بدأت فى التفكير والتركيز، متخيلًا نفسى محققا يجتهد للوصول للحقيقة، وبكّرت يوم الأربعاء لأخذ بركة القداس الإلهى، طالبًا معونة الله لإنقاذ هذه المسكينة، وكى أفرح قلب أبى الحبيب قداسة البابا شنودة صاحب العاطفة الجياشة.

وبعد وصولى مكتبى بقاعة المجلس الإكليريكى بدقائق معدودة، إذا بشخص يدخل القاعة متفحصًا وجوه الآباء أعضاء المجلس واحدًا تلو الآخر، وأخيرًا وقف أمامى مشيرًا: أنت الأنبا بولا؟ فقلت له نعم، وطلبت منه الجلوس، ففاجأنى بالدخول فى الموضوع، دون أن يعطينى فرصة للتفكير، فقال بصوت مرتفع، سمعه الحضور جميعا: بيقولوا عليا مجنون، أنا مش مجنون، كل الحكاية إني لما بتعب، أصطاد سمك، وأقول طز، دون أن يزيد على ذلك.
ولم أسأله إلا سؤالا واحدا كانت معه نهاية معاناة الزوجة، حيث قلت له: ومتى كانت أول مرة اصطدت فيها سمكا وقلت طز؟ فرد قائلًا: عندما كنت فى السنة الثانية بكلية الزراعة، اضطهدنى أستاذ إحدى المواد، فتعبت، وعندما ذهبت للطبيب، طمأننى وقال لى: لما تتعب روح اصطاد سمك وقول طز. وهنا تأكدت أن بداية مرضه ترجع إلى ما قبل زواجه، حيث كانت أول مرة ذهب فيها لطبيب الأمراض النفسية والعصبية.

وهنا شكرته لحضوره، ولم أساله أى سؤال آخر، فقال لى: أنت رجل طيب، لم تتعبنى مثل الذى قبلك، فشكرته وانصرف. وخرجت مسرعًا إلى قداسة البابا بالمقر البابوى، لأنقل إليه البشرى المفرحة، بأننى قد توصّلت للحقيقة، وأعطيت تصريحًا للزوجة بالزواج الثانى، لبطلان زواجها بسبب مرض الزوج النفسى.
وهنا يكشف الأنبا بولا أمرًا خطيرًا، هو أن البابا شنودة لم يكن ملتزمًا بشعار لا طلاق إلا لعلّة الزنا، فهو يستخدم البطلان للأمراض، لكن يبدو أن هذا لم يكن لكل الناس.
المصدر موقع مبتدأ



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق